| محمد عبدالله |
يوم الاثنين المقبل، يستيقظ مرسى مبكراً، ربما مع أذان الفجر، ويطلب من حراسه أن يعدوا له وجبة إفطار، وبعد تناول إفطاره سيكون بحاجة إلى«قرصين بنادول» ليتغلب على الصداع الذى أصابه بسبب عدم قدرته على النوم فى الليلة السابقة.
كان مرسى قبل أن يخلد إلى فراشه مشتت الذهن، يحاول أن يسترجع مشهد آخر ظهور تليفزيونى له قبل سقوط حكمه، يتذكر كيف أقله الأسطول الرئاسى إلى مكتبه الفخم بقصر الاتحادية، ويسترجع الخطوات التى تمت قبل أن يقف أمام الكاميرات ليلقى خطابه الأخير.
لا يعرف مرسى لماذا تذكر فجأة «كوافير» الرئاسة الذى صفف له شعره قبل أن يظهر على الشاشة، لكنه وبنظرة سريعة إلى المرآة المثبتة فوق حوض الحمام الملحق بغرفته أدرك أنه يحتاج إلى «حلاق» لقص شعره وتهذيب لحيته قبل الذهاب إلى المحكمة، فكيف له أن يقف أمام الكاميرات منكوش الشعر، «أشعث»، لكن المشكلة أن الوقت تأخر ولوائح مكان الاحتجاز لا تسمح له بإحضار الحلاق الآن..
مرسى لا يعرف- حتى هذه اللحظة- هل يذهب إلى المحكمة ببدلة فخمة، أم يرتدى جلباباً، لا فرق بالنسبة له بين الأمرين، لكن أكثر ما يؤرقه هو أن يُجبر على ارتداء بدلة الحبس الاحتياطى البيضاء، ففى قرارة نفسه مازال هو الرئيس الشرعى المنتخب الذى أطاح به الانقلابيون فى لحظة غدر.. لكنه على سبيل الاحتياط فتح دولاب الملابس الموجود بغرفته، وأخرج بدلته التى كان يرتديها عندما استقبل كاترين أشتون، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبى، وقرر أن ينام بها، حتى يضع الحراس أمام الأمر الواقع عندما يأتون فى الصباح لنقله إلى مقر المحاكمة.
كان مرسى يضع على المكتب الموجود بالغرفة بعضاً من الأوراق، وقلماً، وبين الحين والحين يعود إلى أوراقه ليكتب ما يخطر على باله من أفكار، سوف يتضمنها خطابه المنتظر من خلف القضبان، والذى يراهن كثيراً على أن يكون خطاباً مؤثراً، ما إن ينته منه حتى يسكب المشاهدون الدموع، ويخرجوا فى مظاهرات حاشدة تتجه إلى مقر المحاكمة، ليجدوا بانتظارهم مفاجأة.. فقد نجحت عناصر من ميليشيات الإخوان وحلفائهم فى اقتحام مقر المحكمة، وأخرجوا مرسى ومعاونيه من قفص الاتهام، ثم حملوه إلى الخارج ليجد فى انتظاره موكباً من سيارات فارهة، سبقه إليها بديع والشاطر والعريان الذى لم يمض فى الحبس سوى أيام، فقد أخرجهم أنصار مرسى من السجن، وتحرك الموكب فى شوارع القاهرة، ليحيى الجماهير المحتشدة فى الطرقات سعيدة بخروجه، وفرحة بعودة الشرعية، ولولا أن لديه أعمالاً كثيرة يريد أن ينجزها فى القصر، لطلب من مساعديه أن تمتد الجولة إلى بعض المحافظات، لكنه يريد أن يسرع إلى مكتبه ليصدر قراراً جمهورياً بإقالة وزير الدفاع ومعاونيه من الانقلابيين، وتشكيل محكمة ثورية تنفذ أحكاماً بالإعدام على كل من خرج فى 30 يونيو مطالباً برحيله.. ومع اقتراب موكب مرسى من القصر، بدأ يلاحظ حركة غير عادية، وانتشاراً للحرس الجمهورى فى الشوارع المحيطة بـ«الاتحادية»، لكن أحداً لم يستوقفه أو يحاول أن يمنعه من الوصول إلى مكتبه، الذى صعد إليه مسرعاً، ودفع الباب فإذا به يجد «مبارك» جالساً إلى المكتب الرئاسى، ومن خلفه يقف وزير داخليته حبيب العادلى الذى ما إن رأى مرسى حتى قال له ضاحكاً: انتى جاية برجليكى لحد هنا يا بيضة؟
لحظتها صرخ مرسى صرخة مدوية، استيقظ على إثرها ضابط الحراسة المرافق له، قائلاً:
الله يخرب بيت البط اللى بتاكله قبل ما تنام، وأسرع بإحضار كوب من الماء البارد، قدمه إليه قائلاً: خير اللهم اجعله خير.. ده كان كابوس ولا إيه؟
ويرد مرسى بصوت مرتعش وهو يرشف من الماء رشفة، بينما «يتدلدق» باقى الماء على صدره: آه يا بنى.. كابوس.. وأى كابوس.