الحج أحدُ أركانِ الإسلام، ومبانيه العظام، فرضه الله على عباده في العمر مرةً واحدة، وما ازداد به العبدُ بعد ذلك فهو تطوع، وللحج فضل عظيم وليس له جزاء إلا الجنة إذا كان مبرورًا خالصًا لله، وما كان الصالحون ليفوتوا تلك الفرصة للتقرب إلى الله.
وشهد بيت الله الحرام مواقف عدة للصالحين، تبرز إدراكهم لأهمية هذه الفريضة وحرصهم على الفوز بمغفرة الله ورحمته
تقبيل عمر بن الخطاب للحجر الأسود:
أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي، المُلقب بالفاروق، هو ثاني الخلفاء الراشدين ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
في سنة ثلاث وعشرين هجريا، لما فرغ " بن الخطاب " من الحج ونزل بالأبطح دعا الله - عز وجل، وشكا إليه أنه قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمنَّ عليه بالشهادة في بلد النبي - صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، فاستجاب له الله.
وعن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، ووفاة ببلد رسولك".
وعن المواقف الأخرى للفاروق في الحج قال عبد الله بن سرجس: "رأيت الأصيلع يعني عمر - رضي الله عنه - يقبل الحجر ويقول: إني لأقبلك واعلم انك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك لم أقبلك
خالد بن الوليد يحج سرا:
هو قائد جيوش المسلمين، اشتهر عنه انشغاله الدائم بالجهاد في سبيل الله وبالفتوحات الإسلامية، وقد كان أحد قواد فتح مكة، وفي إحدى المعارك لما أيقن خالد من انهزام العدو؛ اشتاق إلى زيارة مكة، وإلى تأدية فريضة الحج، فأمر جيشه بالعودة إلى الحيرة، وتظاهر بأنه سائر في مؤخرة الجيش، وتخفي من غير أن يستأذن أبا بكر، رضي الله عنه، وبدأ رحلته إلى مكة ومعه عدة من أصحابه لخمس بقين من ذي القعدة، ولم يكن معه دليل، فاخترق الصحراء مسرعاً رغم صعوبة الطريق، ولما أدى فريضة الحج عاد إلى الحيرة في أوائل فصل الربيع فكانت غيبته على الجند يسيرة، فما وصلت إلى الحيرة مؤخرة الجيش حتى وافاهم خالد مع صاحب الساقة فقدما معاً، وخالد وأصحابه محلقون.
ولم يعلم أبو بكر بحج خالد مع أنه كان في الحج أيضاً، غير أنه بعد قليل بلغه الخبر، فاستاء جداً، وعتب عليه، وكانت عقوبته أن صرفه إلى الشام ليمد جموع المسلمين باليرموك، فأرسل إليه كتاباً هذا نصه: سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت فإنه لم يشج الجموع من الناس - بعون الله - شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتمم الله عليك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل فإن الله له المنَّ وهو ولي الجزاء"
أبو بكر الصديق:
أول الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، في سنة تسع هجرية أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقيل له: المشركون يحضرون ويطوفون بالبيت عراة فقال: "لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" فبعث أبا بكر في تلك السنة أميرًا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم ثم بعث بعده عليًا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء فقال: «لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض»؟ قال بلى: يا رسول الله فسار أبو بكر أميرًا على الحجاج وعلي بن أبي طالب يؤذن ببراءة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم فأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمر به وقرأ عليهم أول سورة براءة وقال يزيد بن تبيع سألنا عليًا بأي شيء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ومن يكون له عهده فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في حج ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر
حجة الوداع".
"ام المؤمنيين عائشة - رضي الله عنها - تبكي في الحج..خوفاً من فوات الأجر:
أخرج البخاري - رحمه الله - في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج، فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه فقال: ((من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا))، قالت: فالآخذ بها، والتارك لها من أصحابه، قالت: فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة، وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة.
قالت: فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: ((ما يبكيك يا هنتاه))، قلت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: ((وما شأنك)) قلت: لا أصلي، قال: ((فلا يضيرك إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها))، قالت: فخرجنا في حجته حتى قدمنا منى فطهرت، ثم خرجنا من منى فأفضت بالبيت، قالت: ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ((اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة، ثم افرغا ثم ائتياها هنا، فإني أنظركما حتى تأتياني))، قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر، فقال: ((هل فرغتم)) فقلت: نعم، فآذن بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس، فمرَّ متوجهاً إلى المدينة.
ابن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - يخالف أباه متابعة الرسول:
وعن سالم بن عبد الله - رضي الله عنه -: "أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنه، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: لقد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
اما المغيرة بن الحكيم الصنعاني – وهو احد الصالحين- فكان يحج من اليمن ماشيًا، وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن، فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده، ثم يلحق بالركب متى لحق بهم، فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار.
المصدر : Nile Star News+الدستور
