| وديع الصافى |
"دار يا دار يا دار..راحوا فين حبايب الدار.. فين فين".. لم يكن خبر وفاة المطرب الكبير وديع الصافي بالسهل على أحبائه وزملائه الفنانين من النجوم العرب والمصريين، فقد كان لهم جميعاً الصديق والأب الروحي، صاحب أشهر الموواويل اللبنانية والغناء الذى جمع بين اللون الجبلي والرومانسي.
في صمت شديد، وبعيداً عن أضواء الشهرة رحل الكبير وديع الصافي تاركا وراءه ثروة كبيرة من الغناء والحب الذى أمتع به جمهوره عبر العالم العربي، وخصوصا جمهوره المصري الذى أتى إليهم به في شبابه وتعلقوا به، مثله مثل غيره من الفنانين الكبار كأمثال عبدالحليم حافظ، وعبدالوهاب، أم كلثوم.. وغيرهم.
وديع الصافي، صاحب الصوت الدافئ لابد أن يستوقفك كثيرا للتأنى والعودة باستمرار لسماع أغانيه مرة أخرى، فهو ليس بالصوت المكرر بين زملائه من المطربين اللبنانيين، فقد كان لديه دلع في صوته وجاذبية، وشجن في أوقات أخرى، تجعل الجميع يلتفت إليه، ولعل أغاني "على رمش عيونها، ويا دار" خير دليل على هذا.
كانت البداية الفنية لـ وديع الصافي غير تقليدية، حيث بدأ العمل المشترك مع العديد من الموسيقيين من أجل نهضة الأغنية اللبنانية انطلاقًا من أصولها الفولكلورية، وكان ذلك من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت بينه وبين غيره من زملائه الفنانين كالأخوين رحباني.
حب الصافي لفنه جعله في مقتبل عمره يترك دراسته من أجل التركيز فيه من ناحية، ومساعدة أهله في مصروفات معيشتهم من جهة آخرى، حيث كانت العائلة تتكون من 8 أبناء. ولاشك أن هذا الأمر جعله مخلصا لفنه، يحترم جمهوره، ويحرص على انتقاء أغانيه، ولهذا السبب ارتبط اسم الفن اللبنانى باسم وديع الصافي، الذى رسخ لفلكور بلاده، وإضفاء ألوانه الغنائية المختلفة عليه.
ولعل وديع جمع بين صفات عديدة تتسم بالتميز ليس فقط في فنه، ولكن على مستوى روحه الشخصية، والمحبة التى جعلت نجوم بلده لبنان يعتبرونه أبا لهم، والمدرسة التى تعلموا منها الفن اللبنانى الأصيل وكان سببا في شهرتهم، وأتذكر أنه في عام 2007 عندما كان الصافي بالقاهرة في إطار تكريمه بدار الأوبرا المصرية، ولم تسمح لى الفرصة وقتها بمقابلته، تحدثت إليه بالفندق الذى كان مقيماً به من أجل إجراء حوار معه، وبرغم أن الحظ كان سيئا في عدم مقابلتى له بسبب ارتباطه بموعد الطائرة إلا أنه في خلال الدقائق القليلة التى تحدثت إليه فيها أحسسنى بأبوبته وحفاواته الكبيرة، وأعرب لى عن أسفه لعدم مقابلتى، وكأنى ابنته أو صديقته التى يعرفها منذ سنوات، تلك الروح التى قلما توافرت في نجوم جدد لم يصلوا إلى مكانته.
ظل الصافي مصابراً على العطاء، ولم تقف أمامه ظروف مرض قلبه، فمنذ 3 أعوام قدم كليبا مصورا بعنوان "يا بنتى" كان بمثابة العودة المميزة له بعد غياب سنوات عن تقديمه أي عمل لجمهوره، وهى الأغنية التى أظهر فيها مشاعر أبوة حقيقية في إطار قصة يحكيها عن ابنته.
ولم يكتف بذلك، فلم ينس من ذاكرته مصر بلده الثانى التى منحته الشهرة، وكان الراحل عبدالوهاب الذى أشاد بصوته في بداية طريقه دافعاً له لاستكمال مسيرته الفنية، فبعد قيام ثورة يناير 2011 بثلاثة أشهر، أهدى الصافي إلى الشعب المصري أغنية "يا أهل مصر" والتى كانت كلماتها تقول:
"يا أهل مصر بحبكم..ولسه فاكر حضنكم..وشمس نيلكم عندنا..أنا شفت فيها ضيكم"
محبة الصافي لـ مصر جعلته يقدم العديد من الأغانى لها، لعل أشهرها "عظيمة يامصر"، وأيضاً مصر العلا.
أراد الله أن يرحل الصافي قبل أن يرى فنه يتم إهداره بشكل سييء، مثلما حدث أخيراً في أغنية فيلم " القشاش" المقرر طرحه في عيد الأضحى المقبل، حيث تمت إعادة توزيع أغنيته "على رمش عيونها" باللون الشعبي وغناها المطرب حماده الليثي، الأمر الذى أثار استياء الكثيرين الذين رأوا أغاني الفنان الكبير وديع الصافي تقدم بسخرية واستهزاء بهذا الشكل، تلك الأغنية التى تربت عليها أجيال كثيرة، وحفظتها ظهراً عن قلب.
رحل الصافي في هدوء، تاركا الدموع في أعين محبيه وجمهوره الذين تربوا على فنه ومواويله خصوصا، أن النجم اللبنانى الأقدم الذى كان على قيد الحياة..رحل الصافي ولم ترحل أغانيه وتبقي ابتسامته وحبه لبلاده لبنان ومصر شهادة موثقة بأعماله.